لا تسقني ماء الحياة بذلة
بل فاسقني بالعزة كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم
وجهنم بالعزة أعظم منزل

الأربعاء، سبتمبر 09، 2009

حكومة اونطة

الأستاذ طارق نور هو رجل الإعلان الأول فى مصر، وهو رائد هذه الصناعة بلا منازع॥ وهو قادر على أن يروج لماء الفسيخ على أنه شربات وسوف ينجح، إذن فالرجل محل ثقة فى سوق الإعلان بدليل أن حكومة السيد نظيف عهدت إليه بمهمة الترويج لها॥ هذه الحكومة تركت الإعلام وذهبت إلى الإعلان دون أن تفسر لنا سبب هذا التحول الذى يكلفها الكثير من الأموال وهى الحكومة الفقيرة المعدمة والشحاذة والتى يقف نصف العاملين بها على الأقل فى الشوارع ساخطين حانقين وهم إما فى وقفات احتجاجية متكررة॥ أو اعتصامات॥ أو تظاهرات॥ والمطالب واحدة تحسين الأوضاع المالية والحصول على الحقوق الضائعة॥ والحكومة الشحاذة هذه تعترف بذلك علنا وهى تواجه موجات السخط الشعبى॥ وتسرف فى الوعود التى لا تتحقق أبدا॥ وتعذب الناس بالمماطلة، وفى نفس الوقت تنفق الأموال الطائلة على تحسين صورتها فى بذخ مستفز وسفه يستحق إقامة دعوى قضائية بالحجر على هذه الحكومة التى صارت مثل الفسيخة المملحة برائحتها وبعفنها وتحللها॥ كان لابد من السيد طارق نور ليقنع المساكين فى بر مصر بأن هذه الفسيخة هى عروس البحر॥ والحقيقة أن الرجل لا يلام إلا فى مسألة واحدة هى أنه يعلم تماما أنه يروج لغير الحقيقة وأن السلعة التى يروج لها سلعة مغشوشة فقد أرادت الحكومة لنفسها أن تكون سلعة مثلها مثل زجاجة الكازوزة.. وقطعة الصابون.. وكيس البامبرز.. وأيضا الفوط الصحية التى تستخدمها السيدات.. ولأن الحكومات العاقلة المحترمة لديها الإعلام وهو صاحب المهمة الأولى فى خلق الوعى لدى الجماهير وإقناعهم بترك الخطأ والتماس الصواب وبلا مقابل لأنها وظيفته ولأنه يخاطب مجتمعا هو الممول الرئيسى له، وهنا يكون السؤال بديهيا إذا كانت الحكومة لا تثق فى إعلامها فلماذا تبقى عليه..؟ يا الله.. تفضها سيرة.. والبركة فى السيد طارق نور وشركات الإعلان.. ولا مانع على الإطلاق من أن تنشئ هذه الحكومة الفسيخة وزارة للإعلان حيث الطبل والزمر والهجص بلا منطق أو مصداقية وتصبح الحكومة مضللة مثل الإعلان وهكذا الطيور على أشكالها تقع.. كانت بداية التعامل الحكومى مع الإعلان بتكليف من السيد يوسف بطرس غالى وزير الجباية الموقر وتلك الحملة الحمقاء الذين أطلقوا عليها «الضرائب مصلحتك» وهى حملة قاسية منفرة حملت إلى الناس التهديد والوعيد.. حتى إن صوت السيد طارق نور الذى يلازم الصورة دائما وأبدا يحمل لهجة المخبرين وهم يحذرون خلق الله المساكين.. فكانت هذه الإعلانات طاردة لا جاذبة وتفسد متعة المشاهدة فيكون الرد الفورى الهرب منها إلى محطة أخرى فتجدها أمامك حتى لو كانت المحطة خليجية.. مطاردة المطلقة فى طلب النفقة!! ولكنها على قلب السيد الوزير زى العسل لأنه المؤلف لهذه الطقاطيق السخيفة سواء التى يؤديها ممثلون أو على شكل تحذيرات بصوت السيد نور.. صحيح أن حصيلة الضرائب قد ارتفعت ولكن ليس بفضل الإعلانات الكثيرة البغيضة المتكررة التى تلاحق الناس كالدبابير السامة.. السبب فى زيادة الحصيلة هو الإجراءات القمعية التعسفية ومطاردة رجال الشرطة.. رجال الشرطة.. للممولين وتوجيه التهم إليهم قبل ثبوتها وبث حالات الرعب والفزع والإرهاب.. وبعض هذه الإعلانات غبية اجتماعيا وسياسيا ونفسيا وتهدد سلامة المجتمع وتنسف أمنه واستقراره، تأملوا إعلان الضرائب العقارية حيث يخبرنا السيد طارق نور أن مصر كلها مقسمة درجات ألف وباء وجيم ودال.. تقسيم طبقى ينشر الحقد والبغضاء فى نفوس البشر ويزرع الحسرة والمرارة فى نفوس البسطاء الفئة (دال) الذين يخزنون البصل والثوم على الحوائط فوق رءوسهم.. المدهش أن يكون هذا هو حال مصر كما يراها السيد يوسف بطرس والرجل المهم فى الحكومة الفسيخة.. هذه هى رؤية المؤلف نفذها رجل الحزب الوطنى وقبض ثمنها كما هو مألوف ولا أحد يسأل أو يحاول حتى أن يفهم مدى تأثير هذا العبث على الناس.. وتماطل الحكومة فى دفع رواتب موظفيها.. إلا أنها تدفع قيمة إعلاناتها فى مواعيدها المحددة.. وهى مسألة مغرية بالنسبة لأى شركة إعلان.. ومن هنا زحف الأستاذ طارق نور إلى بقية وزارات الحكومة الفسيخة خاصة التى على رأسها وزير هو فى الأصل رجل أعمال.. ومن البديهيات أن الترويج لصابونة أو مسحوق غسيل يختلف تماما عن الترويج للأنشطة الخدمية أو حملات التوعية.. مثلا غاب عن المعلن وصانع الإعلان أن عشرات الآلاف يركبون القطارات يوميا وهم أدرى الناس بحالها أكثر من السيد الوزير ومن السيد طارق نور وأتحدى كلا الرجلين أن يدخل دورة مياه لمدة وجيزة فى أى قطار يعجبه ودون إخطار مسبق وهنا سيتأكد أنه تعرض للتعذيب.. حالة القطارات تعلن عن نفسها وهى حالة متدنية للغاية.. إلا أن إعلانات حملة القطارات تظهر لنا القطارات وكأنها قطارات أوروبا السريعة والنظيفة وأن المشكلة دائما وأبدا هى فى المواطن الذى يمزق المقاعد ويطبخ فى الطرقات ولا يدفع ثمن التذكرة.. ويركب فوق سطح القطار..؟ يا عم طارق صلى على اللى هيشفع فيك.. إنت والسيد الوزير بشوات زى بعض فلا داعى لظلم الغلابة، وليس هناك ما يدعو إلى تحميل كل ركاب القطارات لهذه المصائب لأن الإهمال الموجود والحاصل والفساد فى هذا المرفق هو أصل المصائب.. ولو حاول السيد الوزير إصلاح الأمر لفعل مثل الذى تفعله كل بلاد الدنيا.. هناك بوابات يا سيدى الوزير تتحكم فى الدخول والخروج.. هناك متابعة وصيانة.. هناك نظافة حقيقية لا نظافة وهمية تقوم بها شركات تقبض ولا تعمل وغير ذلك كثير.. ومهما كانت التكلفة فهى أقل تكلفة من الإعلانات। الخلاصة أننا أمام حكومة تكذب ولا تعرف أنها تكذب.. وتريد أن تتجمل ولأنها تعرف المثل القائل (إيش تعمل الماشطة فى الوش العكر) فقد لجأت إلى الخبير الإعلانى الذى جاء بمختلف المساحيق محاولا إصلاح وجه الحكومة من الندوب والقروح.. ولكن الخبير صاحب التجربة العريضة فشل تماما وبدلا من أن يستر الحكومة فضحها.. وما زالت الفسيخة هى الفسيخة.. وعقود السيد طارق نور مستمرة مع المالية.. والنقل والصحة والإسكان.. والتأمين.. والسياحة.. والاتصالات وغير ذلك كثير.. إذن الحكومة تهدر أموال الشعب لتجميل نفسها دون محاسب أو رقيب أو فائدة ترجى.. حكومة تتدحرج من على السلم وتظن أن الإعلان سوف يصعد بها اعتقادا منها بأن الناس فى غيبوبة، والسيد طارق يبدو أنه شديد الإعجاب بصوته المبحوح فهو مفروض على كل إعلاناته، وأنا شخصيا كلما سمعت هذا الصوت تذكرت على الفور طبال الراقصة«عباس القرد» هو الوحيد الذى كان يجيد قرع الطبل بنغمات مختلفة حسب المناسبة.. وهى طبلة واحدة التى يدق عليها فإذا كانت المناسبة فرحا أو عرسا أحاطها بقماش أحمر ودق عليها دقة النقرزان.. وإذا كانت المناسبة حزينة أحاطها بقماش أسود وسار بها فى مقدمة الجنازة وهو يدق عليها برتابة وملل.. مرة واحدة على ما أذكر كان لها استعمال مخالف تماما حيث قيل لنا إن الجراد سوف يهجم على القرية وإنه فى الطريق إلى هنا صاح العمدة ــ هاتوا عباس القرد يطبل علشان يخوف الجراد.. وهكذا صوت السيد طارق نور، ولأنه مفتون بصوته فلماذا لا يجرب الغناء..؟؟ ولأن موضوعنا هو الحكومة فأنا أسأل السيد رئيس الوزراء عن مشروعية هذه البدع الجديدة؟ وما حجم الأموال التى تم إنفاقها..؟ ومن أين..؟ وهل تحولت الفسيخة إلى عروس بحر..!؟ فى أحد إعلانات السكة الحديد يقول السيد طارق نور «تفتكروا الإعلان دا هيجيب نتيجة؟.. طبعا لا.. وأقتبس منه وأقول.. تفتكروا المقال ده هيجيب نتيجة؟.. طبعا لا.. لأن الإعلان أقوى من الإعلام.. الإعلان يكذب ويضلل ويغش ويخدع فى كثير من الأحيان.. أما الإعلام الحقيقى فإنه يعتمد على الحقيقة.. والحقيقة هذه الأيام مقهورة ومنبوذة ولا أحد يريده



ليست هناك تعليقات: